العمل البيداغوجي هو أهم وقاية من العنف المدرسي

احمد امشكح

– كانت الاعتداٍات التي طالت عددا من نساء ورجال التعليم في المدة الأخيرة، موضوع انشغالكم في التضامن الجامعي المغربي، كيف جاء هذا الاهتمام؟

مساهمة التضامن الجامعي المغربي في النقاش الدائر حول العنف الممارس على نساء التعليم، هو من صميم عملنا، لكوننا نشتغل عليه، وتدخل مواجهته ضمن أولويات المهام التي تقوم بها الجمعية، وبغاية أيضا، البحث عن الحلول من أجل وسط  مدرسي بدون عنف.

لكن، لابد في البداية من الاعتراف بأن العنف ظاهرة العنف رافقت الإنسان منذ نشأته وهي تضرب بجذورها في عمق التاريخ البشري، وتناولت الدراسات بالبحث والتحليل أسبابها الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية، ولم يشد المغرب، بتاريخه العريق، عن باقي الشعوب، وقواعد الاقتصاد والاجتماع والسياسية حيث كان العنف، ولا يزال، حاضرا بكل أشكاله  المتعددة وتداخلها في الحياة اليومية للمجتمع .

– لكن العنف هو سمة بارزة في التعليم التقليدي، هل يمكن القول إن ذلك كان  سببا مساعدا على أن يصل إلى المدارس؟

نعم كان العنف سمة بارزة  في التعليم التقليدي، الذي كان محصورا في الكتاتيب القرآنية وجامعة القرويين بفاس وابن يوسف بمراكش، وكان الخطاب التربوي الموجه والمؤطر ثقافيا وايديولوجيا للنظام التربوي، هو الخطاب المخزني الرسمي المطبوع بتصورات ماضوية تشجع على الانقياد والطاعة والامتثال والإذعان والخوف والاتكال والتقليد والمحاكاة، وبصفة عامة تسعى للحفاظ وإعادة إنتاج البنى الاجتماعية القائمة على القهر والتسلط، وارتكز العنف الممارس على المتعلمين على مقولات تصبغ عليها صفة القداسة مثل ” العصا خرجت من الجنة ” و“العصا لمن عصا” و“الفقيه اقتل وانا ندفن”، فالعنف في التعليم كان يمارس في ظل منظومة القمع الشامل التي كانت تسود داخل المجتمع المغربي، وما يقال عن ممارسة العنف في التعليم يسري على اكتساب الحرف.

على عهد الحماية، التي عرف فيها المغرب المدرسة الحديثة، ظل بعض المدرسين الفرنسيين، فضلا عن المغاربة، يمارسون العقاب البدني دون خوف من احتجاج الأسر، ومتابعتهم قضائيا، وللتذكير، فإن ممارسة العقاب البدني في المدارس والمعاهد الأوروبية كان أمرا عاديا كوسيلة ديداكتيكية وأحد الأدوات الضرورية لكل أشكال التربية، ولم يكن ينظر إليها على أنها عنف غير مقبول، لكن الثورة الفرنسية في  القرن الثامن عشر أعادت النظر في السلطة بشكلها التعسفي، بما في ذلك التعليم الذي لم تعد مهمته إعداد رعايا من واجبهم الخضوع لسلطة عاهلهم، ولكن تنشئة مواطنين أحرار مسؤولين قادرين على المشاركة في الشأن العام. وهكذا منعت السلطة الفرنسية العقوبات البدنية في التعليم وأقرت ذلك في قانون 1886.

– لكن المدرسة استطاعت رغم كل مظاهر العنف تلك من أن تشكل رافعة اقتصادية واجتماعية على عهد الاستقلال؟ ألم يساهم العنف الممارس على المتعلمين في الدفع بهم إلى الأمام.

لقد شكلت المدرسة على عهد الاستقلال مدخلا مهما للتنمية والتطوير ورافعة اقتصادية واجتماعية لفئات واسعة من أبناء الفلاحين والحرفيين والعمال والتجار الصغار، وذلك بالنظر لحداثة الدولة وحاجتها الكبيرة إلى الأطر والكفاءات لملء الوظائف التي تركها الفرنسيون والاسبان فارغة. في هذه المرحلة استمرت ممارسة العنف ضد المتعلمين من طرف المدرسين، ولم يكن يثير الاحتجاج، لا من جهة التلاميذ ولا من جانب الأسر، على اعتبار أن الضرب هو “تربية لصالح التلاميذ”. في هذه الفترة، ما بين 1960-1980، عالج التضامن الجامعي المغربي ما بين 7 و16 قضية تتعلق بضرب المعلمين للتلاميذ.

– لكن لماذا في نظركم عاد العنف إلى المدرسة بهذه الصورة المستفزة التي لم تعد تعني المدرس في مواجهة تلميذة، ولكن التلميذ في مواجهة أستاذة؟

أعتقد أن ضعف المصداقية في المدرسة هو الذي أدى إلى العنف مع بداية الثمانينيات برز العنف، هذه المرة ضد الأساتذة، وذلك بتزامن مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى انسداد آفاق التشغيل وبطالة الخريجين، فضعفت المصداقية في المدرسة وفي وظيفة التعليم وتغيرت نظرة المجتمع لدورها بسبب أنها أصبحت تفرخ أصحاب الشواهد العاطلين. في هذه الفترة لم يعد العنف يمارس على المتعلمين، فقد انقلبت الآية وأصبح التلاميذ هم المعتدين والمدرسون معتدى عليهم. يجرى اليوم الحديث عن “ظاهرة” العنف في الوسط المدرسي، ومن الناحية الواقعية والعلمية لا يمكن الحديث عن ظاهرة، ذلك أن المجتمع المدرسي الذي يضم حوالي 7 ملايين متعلم/ة و 378.473 من أعضاء الهيأة التعليمية، مجتمع بهذا العدد وبتنوع مشاربه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وما يحمله من اختلالات مجتمعية في أبعادها القيمية والتربوية والمعرفية والثقافية، وبفعل تأثيرات العولمة وتطور تكنولوجيات الإعلام والتواصل، لابد أن يحمل إلى الوسط المدرسي بعض الظواهر التي يعرفها المجتمع العام. ومن بينها العنف، فباعتبار أن المدرسة توجد في قلب المجتمع، فإنها لا تنجو أن تكون بعيدة عن العنف وبالتالي فإن ما يصطلح عليه بظاهرة العنف في الوسط المدرسي هي جزء لا يتجزأ من المنظومة التربوية.

– تشتغلون في التضامن الجامعي المغربي على عدد من الملفات التي تنتصبون فيها كطرف لمؤازرة نساء ورجال التعليم ما حجم القضايا التي تشتغلون عليها؟

بحسب احصائيات الملفات المعروضة على التضامن الجامعي المغربي برسم السنة الدراسية 2016-2017 نجد أن من بين 152 قضية هناك 21 تتعلق بالضرب والجرح و65 بالسب والشتم والتهديد والإهانة، وأكثر الاعتداءات تقع في الابتدائي بنسبة 43% في حين تم تسجيل 13 حالة عنف ضد قاصر، وممارسة العنف ضد الأطفال تعود إلى أن بعض المدرسين لا يزالون يؤمنون بجدوى الضرب في التربية بل إن منهم من يتحدث عن “خصوصية الطفل المغربي”. وقد قام التضامن الجامعي المغربي السنة الماضية بإجراء استطلاع للرأي في الوسط التعليمي، بكل مستوياته، من خلال 18.000 استمارة، حول العنف لا زلنا  نشتغل على  نتائجه للإعلان عنها لاحقا وسنعلن في القريب عن نتائجه.

– لنتحدث أستاذ باحدو عن الأسباب التي ترونها وراء العنف في الوسط المدرسي؟

أعتقد من خلال التجربة وتحليل آلاف الملفات التي عالجتها الجمعية منذ سنة 1960 إلى الآن، يمكن أن نزعم أن أسباب بروز العنف وتناميه في الوسط المدرسي تعود إلى جملة من العوامل نلخصها في مشاكل المجتمع حيث  انتشار البطالة والفقر والجهل، إذ أن إحساس الطبقة الفقيرة بالظلم الواقع عليها يولد لديها نزعة إلى ممارسة العنف. وجود أحياء هامشية مكتظة وشروط غير ملائمة، غير أنه لا يمكن ربط العنف آليا بالوسط الاجتماعي المهمش الذي ينتمي إليه التلميذ، فالعديد من تلاميذ هذه الأحياء نجباء، جادون ومنضبطون؛

إضافة إلى تغيير القيم التقليدية للأخلاق الفردية والجماعية، ومن المفارقات أن الأساتذة الذين هم في الحقيقة الزراع الأساسيين للقيم أصبحوا، وباستمرار، ضحية لانهيار القيم والمثل في المجتمع ثم عدم التسامح واحترام الغير؛ وانتشار المخدرات في محيط المؤسسات وأوساط المراهقين/ات. زد على ذلك المشاكل العائلية حيث يسجل استقالة الأسرة  كشريك مفترض لترسيخ السلوك المدني وقيم المواطنة بسبب الأوضاع الاقتصادية للأسر وارتفاع نسبة الأمية، وانفلات زمام المراقبة منها بفعل التطورات التكنولوجية كما أن العديد من الأسر ترى أن جوهر العلاقة مع المدرسة مرتبط بالجانب النفعي المادي وليس الجانب التثقيفي التربوي؛  أما العوامل  التي ترتبط بالمؤسسة التعليمية ،  فتتمثل في ضعف المصداقية في المردسة وفي وظيفة التعليم، حيث أجواء اكتظاظ الأقسام وتضخم عدد التلاميذ بالمؤسسات التعليمية، وخاصة التعليم الثانوي، مع  ما يرافق ذلك من ضعف التأطير الإداري والتربوي، وإرهاق الأطر العاملة، ينضاف لهذا التدريس غير الفعال وغير الممتع الذي يعتمد على التلقين والحفظ والطرق التقليدية،  وهو خلل في النظام التربوي يؤدي إلى ظاهرة الغش في الامتحانات، وعدم توفر المدرسة على مجالات تتيح للتلاميذ التعبير عن مشاعرهم وتفريغ طاقاتهم بطرق سليمة، كالمسرح، والغناء،والرسم، والرياضة وصعوبة التواصل بين المدرس والتلميذ وبين المدرس وآباء التلاميذ، إذ أن هناك علاقة غير متوازنة بين الأسرة والمدرسة، وكثيرا ما يتم إرجاع فشل الطفل في الدراسة للمدرسين؛ هذا مع رفض الانضباط، وأسبابه متعددة من بينها عدم وضوح القوانين وقواعد المدرسة، فلا يعرف التلميذ حقوقه وواجباته، كما أن عدم إشراك التلاميذ في وضع القانون الداخلي يجعلهم ينظرون إليه كقرارات فوقية يجب تحديها وخرقها؛ مع سوء تصرف ونقص تكوين بعض أفراد الهيأة التعليمية، وخاصة أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بفاعلية العنف في التربية و”بخصوصية” التلاميذ المغاربة !

إضافة إلى وجود مسافة بين التلميذ والأستاذ، حيث ينعدم الحوار والنقاش خاصة في قضايا التنقيط إذ المطلوب توضيح القواعد والمعايير التي على أساسها يقوم الأستاذ عمل التلميذ.

– وما هي المقترحات التي ترونها في التضامن الجامعي كمينة لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية؟

لنتفق أولا أن مستقبل المغرب يتحدد في مدرسته، في من البديهيات  المتعارف عليها، عالميا، اليوم أن مستقبل البلدان تحددها أنظمتها التعليمية وقدرتها على الإعداد، الجيد للأجيال المقبلة لمواجهة تحديات  الغد، ومن تم، فإن مستقبل المغرب يتحدد في مدرسته، فهي المؤهلة لصنع الاستقلال الحقيقي للمغرب، الاستقلال العلمي والاقتصادي والثقافي، إذ التعليم الجيد هو الشرط الأول لتحقيق التنمية المستدامة ومواجهة التحديات التي تطرحها العولمة الاقتصادية التي تتزايد فيها أهمية اقتصاد المعرفة في عملية التنمية، لذلك لا ينبغي النظر إلى المدرسة على أنها عبء، مكلف، بل كاستثمار ضروري للأمة. ولذلك يجب وضع أي إصلاح للمنظومة ضمن تصور استراتيجي عام لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي يعرفها المغرب ضمن إطار حكامة جيدة شاملة تحكم كافة مناحي الحياة العامة تسندها إرادة سياسية جادة، وإدارة كفأة تعتمد مبادئ المشاركة والمساءلة والشفافية. وبخصوص القضاء على العنف في الوسط المدرسي فإن الأمر مرتبط ارتباطا وثيقا وعضويا بإصلاح المنظومة التعليمية انطلاقا من أسئلة جديدة تراعي مقتضيات العصر وحاجات الاقتصاد والقيم الضرورية للمواطنة وترسيخ مجتمع الحداثة والمعرفة والعدالة. كما أن ما يجري في المدرسة جد حاسم بالنسبة للأطفال والمجتمع نفسه، خاصة في مجال تشكيل الهوية والقيم المشتركة التي تصنع الوحدة الوطنية وتخلق قاعدة ثقافية واسعة تهيء للعيش المشترك وتعزز مفهوم المواطنة والاعتزاز بها والالتفاف حولها.

مع اعتبار قضية إصلاح المدرسة وإنقاذها قضية مجتمعية لا تهم الدولة، بقدر ما تهم مكونات المجتمع ولذلك لابد من إشراك الفاعلين الأساسيين من أساتذة ومفتشين ومديرين ونقابات والمجتمع المدني والأسر والتلاميذ وفتح المجال للاستماع لآرائهم ومقترحاتهم، وإشراكهم في التخطيط والتنفيذ حتى تتم التعبئة لانخراط الجميع في إنجاح إصلاح المنظومة.

إعادة النظر في البرامج والمقررات الدراسية بما يتوافق مع التطورات العالمية و مواثيق حقوق الإنسان، فنحن في حاجة إلى مدرسة تملك القدرة على ترسيخ الفكر النقدي الخلاق، وخلق مساحات الحوار والاهتمام بقضايا الإنسان وتطوير الوعي بالمواطنة تربويا.

دمقرطة الحياة المدرسية، ذلك أن الديمقراطية كثقافة وممارسة ينبغي أن تنطبق من المنظومة التعليمية، باعتبارها المعنية الأساسية والمباشرة بإنتاج الموارد البشرية المشكلة، في آن واحد، لوسيلة التنمية وهدفها، بحيث تكون هذه المنظومة الفضاء الأول والأرضية الأساسية لزرع بذور الفكر الديمقراطي فهما ووعيا وممارسة، ليس عن طريق تدريس مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة نظريا فحسب، بل بجعل المجتمع المدرسي يفعل الديمقراطية في ممارسته وحياته اليومية في جميع ما تحفل به المؤسسة التعليمية من أشغال وبرامج ونشاطات وفعاليات دون استثناء.

إن نجاح المدرسة يتوقف إلى حد كبير على مقدار فعلها في سيرورة التحولات الاجتماعية وحضورها كفاعل أساس في إنتاج وحماية العقل والثقافة والهوية والقيم والخصوصيات المميزة للمجتمع بأسره.

وفي اعتقادنا أن العمل البيداغوجي يشكل أهم وقاية من العنف المدرسي إذا كان المدرسون/ات يساهمون من خلال المواد التي يدرسونها في تكوين مواطني الغد علميا وعمليا، وتربيتهم على الحرية والتعايش واحترام الرأي الآخر والمساهمة في بناء مجتمع ديمقراطي حداثي متماسك يعتز فيه المواطن بانتمائه لوطنه.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *