الحاجة إلى تشريعات قضائية لحماية الموظفين من الاعتداءات

الأستاذ عبد الجليل باحدو

 

عودة إلى مبدإ قرينة البراءة

كنـــا في مقــال ســابق نشــرناه بــالمرشد التضـــامني لسنـة 2007-2006، تحت عنوان «شرف المهنة بين القضاء والصحافة» قد أكدنا على أن عدم نشر القضايا الأخلاقية التي يتابع فيها بعض المدرسين/ات لن يحول دون وقوع ممارسات وسلوكات وأخطاء تمس أساسا بأصحابها، وهم لحسن الحظ قلة قليلة، قبل أن تمس بالهيأة، وأن صحافة الرصيف فضلا عن الصحافة التي يمكن اعتبارها «رصينة»، لن تتوانى عن تصيد أي حادث في المجتمع المدرسي، للاشتغال عليه وتسويقه بشكل مبتذل؛ بإبراز تفاصيله ووضع عناوين له بالبنط الكبير على صفحاتها الأولى، وهذا بالضبط مابرهنت عليه الأيام وأثبته الواقع؛ بحيث أصبحت الحوادث المرتبطة بالأساتذة والأستاذات محل اهتمام «وعناية خاصة» من طرف الصحافة، تشهد على ذلك قضية «أستاذ يمارس العادة السرية بالقسم»، والذي اشتغلت عليه جريدة «الصباح» بشكل لا يمت بصلة لا للمهنية ولا لحرية الرأي والتعبير ولا لمبدإ «الخبر مقدس والتعليق حر».

لقد تبنت الجريدة الموضوع ووضعت له عنوانا على ستة أعمدة في صفحتها الأولى بعددها 3646 بتاريخ 3 يناير2012، وكأنه حدث وطني استثنائي أو حدث دولي ذو  تأثير على المغرب، واشتغلت على الموضوع يوميا، بل خصصت له صفحة كاملة بعددها ليوم الخميس 5 يناير2012.  وكان كل ما تناولته هذه الجريدة يهدف إلى الإثارة والتهييج والمس بكرامة الأستاذ المتهم، ومن خلاله كل الهيأة التعليمية، وتكييف رأي عام معاد لأسرة التعليم، أكثر مما كانت تسعى للمساهمة في إظهار الحقيقة، وإخبار الرأي العام بحادث يحيطه كثير من الغموض والملابسات، ذلك أن «جريدة الصباح» نصبت نفسها محل الضابطة القضائية والنيابة العامة وعمدت إلى إصدار حكم الإدانة في حق الأستاذ قبل انتهاء التحقيقين الإداري والقضائي.

ولسنا ندري ما إذا كانت الجريدة، ستواصل اهتمامها بالموضوع، على إثر اعتقال الأستاذ وإيداعه السجن، بعد متابعته بتهم هتك عرض قاصر بالعنف، من طرف من له سلطة عليها، والإخلال العلني بالحياء والتغرير بقاصر؛ خاصة إذا ما صدر الحكم ببراءته…. سوف لن نقف طويلا عند هذه الواقعة، لأنها أصبحت بين يدي القضاء، الذي سيقف على حقيقة الاتهام الموجه إلى الأستاذ، ذلك أننا نؤمن بأن قرينة البراءة هي الأصل، فكل متهم بريء إلى أن تثبت إدانته، فمبدأ البراءة أساس في المحاكمة الجنائية، وقيمة من القيم الثابتة في كل القوانين المتحضرة، ونحن في التضامن الجامعي المغربي نرى، في حالة ثبوت قيامه بالفعل المنسوب إليه، ضرورة إحالته على مستشفى الأمراض النفسية، بدل إيداعه السجن؛ لكونه مريضا في حاجة إلى العلاج.

الاعتداءات عبر الإنترنيت ظاهرة جديدة

إن هذه الواقعة أصبحت تتطلب منا، في التضامن الجامعي المغربي، التفكير في موضوع استعمال الإنترنيت والشبكات الاجتماعية، خاصة في مجال التربية. فنحن منظمة تتبنى مهمة الدفاع عن منخرطيها عندما يكونون ضحايا اعتداء؛ سواء كان ماديا أو معنويا، ولكن، يمكن القول إن من مسؤوليتها البحث في وسائل الوقاية من مخاطر المهنة، من خلال ملاحظة تطورات العلاقة بين مختلف الفاعلين في الحياة المدرسية أو المؤسسة.

لقد أصبحت المنازعات المرتبطة باستعمال الإنترنيت تتكاثر نسبيا، سنة بعد أخرى، تتطور تبعا للأدوات المستعملة والتطبيقات الناتجة عنها؛ حيث صار بعض المتعلمين/ات يصدر أحكام قيمة على أساتذته، ويلصق بهم أوصافا وألقابا قدحية في بعض الأحيان ويتبادل ذلك عبر الرسائل الإلكترونية والمزينة بالصور والألوان وتمر كل العمليات تحت غطاء أسماء مستعارة، انطلاقا من غرف نوم التلاميذ المراهقين. وقد تطورت أساليب اشتغال التلاميذ في هذا المجال في اتجاه أعنف، مثل التقاط صور للمدرسين/ات بالهاتف المحمول، داخل القسم، وهم في أوضاع معينة، والعمل على تحريفها، ووضع تعليقات ساخرة عليها بقصد الإهانة والتحقير، وتعميم «الفيلم» على الإنترنيت.

حالات واقعية

لقد اعترفت تلميذة بإحدى ثانويات المحمدية بأنها نشرت على الإنترنيت صورة أستاذتها وهي تدرس في القسم وكتبت que pensez vous de tati fatma، وبذلك تكون قد فتحت المجال للتعليق على الصورة، وقالت الأستاذة المشتكية: «إن التعليقات اختلفت بين المدح والذم». وكانت التلميذة نفسها عرضت صورة لأستاذ من ثانوية أخرى ولقبته ب (راس الكاوكاوة).

وقد عرضت التضامن الجامعي المغربي الواقعة على القضاء، إلا أنه تم حفظ الملف لعدم الإثبات، بعد أن عمدت التلميذة التي اعترفت بفعلها أمام مدير المؤسسة والحارس العام، إلى إزالة صورة الأستاذة من الإنترنيت، ومحو كل أثر يمكن الاستناد إليه من أجل اتهامها.

وفي بعض الأحيان يربط الأستاذ/ة، الذي ينتمي هو نفسه إلى جيل الإنترنيت، علاقات، على الشبكات الاجتماعية مع تلاميذه وتلميذاته، تتجاوز الإطار التربوي وتتحول إلى علاقة شخصية، غير حذرة، حتى ولو لم تشبها نوايا سيئة، غير أن بعضها قد ينزلق إلى إرسال الصور والتعليقات ذات الإيحاءات الإباحية، وطرح عروض مغرية، مما يشكل خطرا حقيقيا على المراهقين وبشكل أكبر على المراهقات.

شكل جديد من الاعتداء المعنوي

لقد حمل الإنترنيت شكلا جديدا من أشكال الاعتداء المعنوي، على أعضاء الهيأة التعليمية، يصعب ضبطه أوقياس تأثيره و آلامه المعنوية والنفسية.

فالاعتداء يأتي، في بعض الأحيان، من الزملاء في المهنة، وفي المؤسسة نفسها لأسباب متعددة، وفي مقدمتها تصفية حسابات؛ فقد اشتكى أستاذ بإحدى الثانويات بالدارالبيضاء هذه السنة، في رسالة وجهها إلى التضامن الجامعي المغربي يقول فيها: «إن منتدى محليا يديره بعض الأساتذة بالمدينة نفسها نشر في حقي تهما تسيء إلى سمعتي، من بينها اغتصاب تلميذة داخل حرم المدرسة، والتحرش بتلميذات المؤسسة والفساد، وتناول المخدرات، مما أدى بي إلى الانهيار وشتات الأسرة وإلى الإحباط الذي أعاني منه في العمل، بالإضافة إلى الحالة النفسية التي يعيشها أطفالي….».

وعند عرض القضية على القضاء، كان مصيرها الحفظ لانعدام الإثبات بالرغم من أن الوثيقة، المقدمة ضمن الشكاية، تشير إلى الموقع وتاريخ التسجيل وعدد المشاركين، ونص المقال موضوع الشكاية؛ وهو مليء بالقذف والتجريح وكل أنواع السباب، حيث ورد فيه (….أستاذ اللغة الفرنسية ب ….شخص سيماه على محياه من أثر الموبيقات والفساد والشيطنة التي انغمس فيها، وجه أسود به ندوب المخدرات وأشكال من المصائب والجنح التي ارتكبها. الكل يتذكر فضيحة الاغتصاب الشهيرة التي…).

إن قراءة المقال بكامله تؤكد أن صراعا شرسا تدور رحاه بين أساتذة يشتغلون في المؤسسة تم طرحه على الرأي العام وهو ما يستدعي من الإدارة إجراء تحقيقات بشأنه واتخاذ الإجراءات القانونية في حق كل من ثبتت عليه ممارسات وأفعال تسيء إلى المهنة ورسالتها، في انتظار صدور تشريعات قضائية، وإحداث هيأة لمراقبة المواقع على الإنترنيت لمساعدة المواطنين على ضبط ما قد يتعرضون له من قذف وإهانة، لتقديمه إلى العدالة، ومحوه من على الموقع في الوقت نفسه، كما هو الشأن بالنسبة لما تقوم به اللجنة الوطنية للمعلوميات والحريات(CNIL) بفرنسا.

أي دور للشبكات الاجتماعية؟

إلى حدود سنة 2000، كان التواصل بين مستعملي الإنترنيت يتم عبر العناوين الإلكترونية، بعدها ظهرت الشبكات الاجتماعية، وانتشر استخدامها على نطاق واسع بسرعة مذهلة، وأصبحت وسيلة مهمة ورئيسة للاتصال والعلاقات الإنسانية الساعية لبناء مشاريع استثنائية مشتركة.

إن السؤال، الذي يطرح نفسه اليوم، هو ما إذا كانت الشبكات الاجتماعية، التي قيل إنها أطلقت التطورات، قادرة على تغيير العلاقات بين الناس لما هو أفضل.

هل يمكن أن ينظر إلى هذه التطورات بحذر، كما لو أنها تهدد حياتنا بما تحمله من مخاطر اجتماعية قد تدمر العلاقات الإنسانية، وهي الأحكام والمخاوف التي أبداها الإنسان إزاء القطار والسيارة والهاتف عند ظهورها؟.

وبالنسبة لمجالنا، فإنه لأول مرة في تاريخ التربية والتعليم، يبدو أن المتعلمين/ات يحسنون السيطرة على الأدوات المعلومياتية أكثر من أساتذتهم، وهذا يخلف بالضرورة قلقا لدى الأساتذة؛ خاصة عندما يرون صورهم/هن على الإنترنيت تصاحبها تعليقات بألفاظ بذيئة، أو إيحاءات جنسية أو مقالات تنتهك حرمتهم الشخصية.

إن السرعة التي تطورت بها هذه التكنولوجيات الجديدة لم يسبق لها مثيل، لدرجة أن المجهودات المبذولة، لتكوين الموظفين على استعمالها، لم تستطع أن تساير أو تلحق بتلك التطورات.

إن تلاميذنا وأطفالنا هم جيل «الويب web» إذ يحسنون استعماله حتى وإن لم يكونوا متمكنين من قواعده، وهذا ما دفع بعض المدارس في أوروبا والولايات المتحدة واليابان إلى استعمال الشبكات الاجتماعية لتطوير ممارسات وكفاءات ومعلومات جديدة.

فإلى جانب العلاقات التراتبية التقليدية، المحصورة داخل حجرة الدرس، سمحت المواقع على «النت» بربط علاقات شخصية خارج أسوار المدرسة، وهو تطور قد تكون له جوانب إيجابية وأخرى سلبية؛ إذ بإمكان «الفيسبوك» أن يصبح متنفسا واسعا يسلط المتعلمون/ات عبره سخطهم على أساتذتهم، «أستاذة اللغة العربية صبانة»، «أستاذ التربية الإسلامية فقيه يحك بين فخذيه باستمرار»، «أستاذ الفيزياء حالة اجتماعية شاذة»، «أحسن أستاذ هو الأستاذ المتغيب»، فضلا عن الأوصاف القدحية التي يطلقها التلاميذ على أساتذتهم أوالحراس العامين، أو المديرين.

وليس في مستطاعنا حصر الصفحات المسيئة لهيأة التعليم ولا معرفة أصحابها الذي يخفون هويتهم.

لقد عايشنا القذف والسب والشتم، المباشر أو عبر الصحف والرسائل العادية، لكن ما يجري على الشبكات الاجتماعية لم يسبق له مثيل. فالجرائم التي تقع على الأشخاص، وتضم جرائم الأخلاق كالقذف والسب والتشهير عبر الإنترنيت يصعب اكتشافها وإثباتها، لأنها ترتكب بأرقام وبيانات تتغير وتمحى من السجلات المخزونة في ذاكرة الحاسوب.

لقد انتبه العالم إلى خطورة الجرائم التي تتم باستخدام الحاسوب وشبكة الإنترنيت وأصدر المجلس الأوروبي اتفاقية الإجرام السيبيري سنة 2001 وانضمت إليها الولايات المتحدة سنة 2006، وتهدف هذه الاتفاقية إلى حماية المجتمع من أخطار جرائم الأنرنيت، بتبني التشريعات المناسبة.

وإذا كان المغرب قد أصدر القانون رقم 07.03 بتتميم مجموعة القانون الجنائي  بشأن الجرائم المتعلقة بمنظومة المعالجة الآلية للمعطيات، والعقوبات الملائمة لها حسب درجة خطورتها، فإن مقتضيات ذلك القانون لم تتضمن عقوبات بشأن جرائم الاعتداء على الأشخاص وحرمة الحياة الخاصة، وبالتالي فإن التشريعات القضائية في بلادنا قاصرة عن مواكبة تحولات عالم المعلوميات بسن المساطر الإجرائية والقوانين الزجرية، لردع كل التجاوزات والإساءات التي تلحق بالمواطنين/ات بصفة عامة، والموظفين/ات بصفة خاصة؛ من جراء الاستعمال السيئ للإنترنيت. وفي انتظار صدور تلك التشريعات تكون وزارة التربية الوطنية مطالبة بالإسراع بتكوين الأساتذة والموظفين على استعمال الأنترنيت وتحسيس تلاميذ الإعداديات والثانويات بخطورة استعمال الشبكات الاجتماعية للمس بالحياة الخاصة لأساتذتهم والتأكيد على أن العلاقة بين الطرفين مبنية على نقل المعرفة والاحترام المتبادل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *