المدرسة الجماعتية بديل تربوي للمدارس الفرعية

الأستاذ ابراهيم الباعمراني

 

ما زال التعليم في العالم القروي يعاني من اختلالات بنيوية على مستوى البنيات التحتية والتجهيز والخصاص في الموارد البشرية ،كما يعاني من التهميش والتشتت والعزلة  رغم المجهودات المبذولة في إطار الميثاق الوطني للتربية والتكوين لتطويره وتحسينه ، لهذا تضمن البرنامج الاستعجالي الهادف إلى تسريع وتيرة الإصلاح التربوي والتعليمي لمنظومتنا التربوية، مجموعة من التدابير المقترحة  لتجاوز معيقات التمدرس بالعالم القروي من خلال شروع وزارة التربية الوطنية عبر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والنيابات الإقليمية  في إحداث ما أصبح يعرف بالمركب التربوي أو المدرسة المندمجة أو المدرسة الجماعتية واقتراح تدابير لتذليل الصعوبات السوسيو اقتصادية والجغرافية التي تحول دون ولوج التعليم الالزامي  وكذا محاربة أسباب الانقطاع الدراسي . فما هي توجهات الميثاق الوطني للتربية و التكوين و كذا البرنامج الاستعجالي في هذا الصدد ؟ وما المدرسة الجماعتية ؟ وهل أصبحت هي البديل المرتقب مستقبلا قصد معالجة العديد من معيقات التمدرس بالعالم القروي؟

مواصفات المدرسة الجماعتية

المدرسة الجماعتية شبيهة بالمركب التربوي أوالمدرسة المندمجة ،وهي بديل تربوي يهدف إلى الحد من الأقسام المشتركة بالوسط القروي وتفادي إحداث المدارس الفرعية المشتتة والمعزولة، وهي مؤسسة ينبغي أن تحدث في منطقة تتوفر فيها كل الشروط الحياتية الضرورية من ماء وكهرباء وتجمع سكني ومستوصف وبريد وسوق، وأن يتوفر فضاؤها على كل المرافق الصحية والحجرات الدراسية والسكن القارللمدرسات والمدرسين وداخلية تؤمن كل شروط الراحة والطمأنينة للتلميذات وللتلاميذ، بالإضافة إلى توفير خدمات النقل المدرسي للقاطنين بعيدا عن الجماعة.ويتطلب تحقيق أهداف المدرسة الجماعتية اقتناع الجميع بأهميتها ووظائفها، والتزامهم الجماعي بالعمل على إنجاح المشروع وضمان استمراريته  كما يتطلب انخراط وتعبئة الأساتذة ومجالس المؤسسة وشركاء جماعيين واجتماعيين وثقافيين وقطاعات حكومية وفاعلين اقتصاديين، من أجل توفير كل الشروط المحفزة على التمدرس بالوسط القروي  وضمان  جودة التعلمات والمساهمة في الحد من الهدر المدرسي في صفوف التلميذات والتلاميذ الذين يعانون من ضغط الظروف القاسية ومتطلبات الحياة اليومية، وتفادي تبذير الموارد المالية والبشرية و ضمان  استقرار الأساتذة والحضور الفعلي للتلميذات والتلاميذ، والحد تدريجيا من الأقسام المشتركة ومن الاكتظاظ، وتسهيل عملية التأطير التربوي وتشجيع تمدرس الفتيات، كما تشكل المدرسة الجماعتية فضاء لممارسة الأنشطة التربوية والثقافية والاجتماعية والرياضية.

المدرسة الجماعتية من منظور البرنامج الاستعجالي

بالرغم من المجهودات المبذولة في إطار تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فإن التقدم المسجل منذ سنة 2000 لم يكن كافيا لبلوغ الأهداف التي حددها الميثاق ، كما أن توسيع الطاقة الاستيعابية لم يواكب  الأعداد المتزايدة من التلميذات والتلاميذ مما أدى إلى بروز ظاهرة اكتظاظ الأقسام بالإضافة إلى ما تعانيه المنظومة من ارتفاع نسب الانقطاع عن الدراسة. ومن أجل تجاوز هذه الوضعية وتوسيع العرض التربوي في التعليم، تم تخصيص مشروع متكامل في إطار البرنامج الاستعجالي (E1.P2) يهدف إلى مواكبة تطوير التمدرس من خلال بناء المؤسسات التعليمية الضرورية التي تمكن من تحقيق الأهداف المسطرة في إطار البرنامج الاستعجالي  كالرفع من نسب  التمدرس في التعليم الابتدائي لتصل في حدها الأدنى إلى %95»» خلال موسم 2013-2012 بالنسبة للأطفال البالغين من العمر ما بين 11-6 سنوات  وتحقيق نسبة استكمال التمدرس في الابتدائي بدون تكرارفي موسم 2015-2014، تصل إلى %90» بالنسبة لتلاميذ فوج 2010-2009 .بالإضافة إلى اتخاذ تدابير لتذليل الصعوبات السوسيو اقتصادية والجغرافية التي تحول دون ولوج التعليم الإلزامي ، وكذا تشجيع استمرار المتمدرسات و المتمدرسين  في التعليم، بمحاربة أسباب الانقطاع الدراسي .

ومن أبرز التدابير المقترحة في هذا المشروع ،تحسين العرض المدرسي في المناطق القروية و التخلي تدريجيا  عن نموذج المدارس الفرعية لفائدة نموذج جديد : المدارس الجماعتية ، والذي يقوم على إحداث مدارس متكاملة المرافق ، تتوفر على داخليات وخدمات النقل المدرسي، وتوفر جودة في التعليم والتجهيزات وتيسر عملية تدبير المدرسات والمدرسين.

وتجدر الإشارة إلى أن مشروع المدرسة الجماعتية ليس فقط مشروع وزارة التربية الوطنية لمفردها بل يتعداها ليكون مشروعا مجتمعيا ينبغي  أن تنخرط فيه جميع الفعاليات المحلية و الإقليميةو الجهوية والوطنية للسير بالمشروع نحو التحقيق، و السعي لضمان استمراريته، وبذلك تشكل المدارس الجماعتية إحدى البدائل المقترحة في إطار البرنامج الاستعجالي ، للنهوض بالتعليم بالوسط القروي مما يستدعي إلزامية تدخل قطاعات مختلفة إلى جانب وزارة التربية الوطنية، وإلزام الجماعات المحلية قانونيا للمساهمة في المشروع ، وإقناع المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين بأهمية إحداث المدارس الجماعاتية لتحقيق تكافؤ الفرص أمام التلاميذ  ،وإعادة الثقة إلى المدرسة ودور التعليم بالوسط القروي وتحقيق الجودة والمردودية المطلوبتين.

الأهداف المتوخاة من إنشاء المدارس الجماعتية

تسعى المدرسة الجماعتية إلى تحقيق ما يلي :

  • تصحيح وتلميع صورة المدرسة باعتبارها مؤسسة اجتماعيةفي أذهان السكان وثقافتهم، ورد الاعتبار للمدرسة ووظائفها.
  • تجميع تلاميذ المستوى الواحد في الفصل الواحد لتفادي الأقسام المتعددة المستويات.
  • الحد من الهدر المادي والبشري و المدرسي والزماني…
  • ترشيد الموارد البشرية وضمان استقرار الأساتذة في ظروف أفضل وفي مراكز حضرية وشبه حضرية مجهزة توفر فرص التواصل والترفيه والتسويق، والحد من عزلتهم الدافعة إلى التغيبات .
  • تربية المتعلم « ة « على الاعتماد على النفس وتنشئته داخل الجماعة.
  • توفير ظروف ولوج الوسائل المعلوماتية .
  • إشراك الساكنة في تدبير وتسيير شؤون المدرسة عن قرب.
  • تتبع المسار التربوي والتعليمي للمتعلمين.
  • الرفع من مستوى التلميذات و التلاميذ التحصيلي بتنظيم دروس الدعم للفئات المتعثرة.
  • إتاحة فرصة التعليم لتلاميذ طالهم الحرمان بالمناطق النائية المهمشة.
  • ربح جودة التعلمات من خلال استقرار الأستاذات و الأساتذة والحضور الفعلي للتلاميذ.
  • تسهيل عملية المراقبة و تأطير المدرسات و المدرسين وحل معضلة إعادة الانتشار بشكل نهائي بالقضاء على الخصاص بالبوادي و تشجيع تمدرس الفتاة بالوسط القروي.
  • تمكين التلاميذ من الاستفادة من التنشيط الرياضي و الثقافي و التأطير الصحي و توفير خدمات الإطعام و الدعم التربوي و الاجتماعي.
  • استغلال الفرعيات المدرسية بتوظيفها في التعليم الأولي والتربية غير النظامية ومحاربة الأمية بتنسيق مع فعاليات المجتمع المدني والساكنة.

و هكذا يتضح من استعراض بعض الأهداف المتوخاة من إحداث المدارس الجماعتية أن هذه المدارس تعتبر  نواة لكل إصلاح تربوي وتعليمي بالوسط القروي، وفضاء لملاءمة التربية والتكوين للحاجات المحلية والجهوية وإفساح المجال أمام المبادرات البناءة والطاقات التربوية المحلية للانخراط في خلق دينامية جديدة وإعطاء فعالية للأداء التربوي من أجل تجاوز معيقات التمدرس بالوسط القروي وضمان جودة التعلمات والحد من الهدر المدرسي. ومن هنا  فمشروع إحداث  المدارس الجماعتية مسؤولية الجميع ، و نجاحه رهين بالتزام الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والنيابات الإقليمية والجماعات المحلية بإنجاز هذه المدارس تدريجيا وخاصة في الجماعات التي تعرف كثافة سكانية مهمة،  وإبرام اتفاقيات تعاون وشراكة مع كل القطاعات الحكومية والفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين لضمان استمراريتها وتدعيمها للنهوض بالتعليم بالوسط القروي، وضمان جودة التعلمات من خلال استقرار الأساتذة والحضور الفعلي للتلاميذ ومحاربة الهدر المدرسي وتسهيل عملية التأطير التربوي وتشجيع تمدرس الفتاة، بل إن المدرسة الجماعتية ستتحول إلى فضاء منفتح على محيطه السوسيو ثقافي لتكون قاطرة نحو اكتساب  تعلمات مدنية فاعلة في التلميذ والمحيط ، ومساهمة في تطوير وتقدم العالم القروي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *