المدرسة القروية: الواقع ومتطلبات التحديث

الدكتور محمد عزيز الوكيلي

 

جاء في تقرير المجلس الأعلى للتعليم (في الصفحة 35 من الكتاب الأول) أن «9000 قاعة للتدريس كانت خلال موسم 2007/2006 في وضعية غير لائقة، وأن ثلاثة أرباع المدارس بالمناطق القروية غير مرتبطة بشبكة الماء الصالح للشرب، أو لا تتوفر على مرافق صحية، كما أن ثلثي تلك المدارس يفتقر إلى الكهرباء، وقليلة هي المؤسسات التي تتوفر على سكن مخصص للمدرس، ومن ثم فإن عددا مهما من المدرسين يزاولون عملهم في ظروف تعوق الإنجاز الأمثل للعملية التربوية والتحصيل الجيد للتلاميذ».

ويضيف التقرير أن هذه الوضعية «تسائل دور الدولة والجماعات المحلية في توفير بنيات مدرسية بمواصفات الجودة، ومندمجة في برامج التهيئة المحلية».

ونضيف بدورنا، متسائلين من هذا المنطلق الاستفساري ذاته:

  • إلى أي حد أمكننا أن نغير هذا الواقع المقلق والمحزن خلال الفترة السياسية التي تلت سنة 2007، المنتهية راهنا؟
  • وهل يمكن القول إن قرانا وبوادينا صارت تتوفر على مؤسسات تربوية وتعليمية وتكوينية في مستوى تطلعات أهاليها.
  • وهل أمكننا أن نُعْمِل برامجنا الإصلاحية في ما يتعلق، على الخصوص، بإقامة التوازن المطلوب بين مدارسنا القروية ونظيراتها الحضرية؟

قبل الشروع في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، المحرجة حقا، يستحسن أن نلقي نظرة سريعة على واقع التعليم المدرسي، في قرانا وبوادينا وأريافنا، خلال السنوات العشر الأخيرة؛ والتي يفترض أن تكون بمثابة فترة القطع مع التجارب الإصلاحية السابقة، والفاشلة بكل المعايير.

أكد تقرير التنمية البشرية حول المغرب لسنة 2003 أن 68.4 % من النساء في البوادي يعانين الأمية. وأشار التقرير ذاته إلى أن هذه النسبة تجعل المغرب يحتل مراكز متأخرة في مجال تعليم النساء ما بين المركز 140 و150 عالميا.

وأبرزت دراسة أجراها أحد الأساتذة الباحثين، المغاربة،1 أن تدني مستوى التعليم في الوسط القروي يرجع إلى أسباب وعوائق تربوية من بينها على الخصوص:

  • طبيعة العرض التربوي؛ الذي ينطبع في القرى والبوادي بطابع التشتت والاختلاف وعدم الاكتمال، حيث لا تغطي المنظومة التعليمية، من حاجة الدواوير والمداشر إلى المؤسسات التربوية، سوى نسبة متدنية لا تتعدى %33 بصورة عامة.
  • عدم توفر المدارس، في حالة وجودها، على بنيات أساسية ملائمة ومستوفية لأبسط الشروط المطلوب توفرها في حياة مدرسية سليمة ومستقرة.
  • وجود نقص في المستويات الدراسية المتعلقة بطور معين، مما يزيد في استفحال ظاهرة العزوف عن الدراسة، أو الهدر والانقطاع، وظاهرة الرسوب والتَّكْرار.
  • مخالفة بعض المضامين الملقنة لمقتضى احترام خصوصيات العالم والمجتمع القرويين، ولمطلب إيلاء الاعتبار اللازم للثقافة المحلية؛ مما ينتج عنه تنافر وجفاء بين المتعلمين/ات وآبائهم وأولياء أمورهم من جهة، وبين البرامج الدراسية والمدرسين والإدارة التربوية من جهة أخرى، فضلا عن الآثار السلبية لهذه الظاهرة على التنشئة الاجتماعية لأطفال المناطق المعنية، لأنها تكون تنشئة منفصلة عن جذورها.
  • ضعف الشق الاجتماعي في الخدمات التربوية، والمتمثل في قلة المطاعم المدرسية، وعدم توفر هذه المطاعم، في حالة وج
  • ودها، على شروط التغذية الصحية الضرورية.
  • غياب المدارس الداخلية في كل مستويات التعليم، وعدم توفر المؤسسات على قاعات للاستراحة، لفائدة التلاميذ غير القادرين على العودة إلى منازلهم بين الفترتين الصباحية والمسائية.
  • غياب أو تدني مستوى التجهيزات الأساسية التي يتطلبها السير العادي للعمل التربوي كالماء، والكهرباء، والتدفئة، والمراحيض، والسكن الخاص بأعضاء هيأة التدريس، والوسائل الديداكتيكية… الشيء الذي يؤثر سلبيا على تعلم الأطفال بصورة عامة، والفتيات بصورة خاصة، لكونهن الأكثر تضررا نظرا لوضعهن الاجتماعي الذي يرى تعلمهن شيئا كماليا قابلا للتوقيف لأي سبب، وبدون أدنى سبب.

فضلا عن هذه العوائق، هناك صعوبات ذات طابع اقتصادي، كاتساع دائرة الفقر والتهميش في وسط يعتمد أساسا على المنسوب السنوي للأمطار؛ وارتفاع كلفة التعليم بالنظر لضيق ذات اليد لدى الساكنة في تلك المناطق؛ وتشبث أغلب الآباء في ذلك الوسط بفكرة استثمار طاقات أطفالهم ذكورا وإناثا في تحسين دخل الأسرة…

وهناك عوائق سوسيو ثقافية، تتعلق بالبنية التقليدية للمجتمع القروي، التي لا ترى فائدة في أن يتابع الأطفال دراستهم إلى نهاياتها الطبيعية، خصوصا بالنسبة للفتيات، اللواتي تقضي البداوة بانتهائهن إلى بيت الزوجية في جميع الأحوال، فلا داعي لإضاعة الوقت والجهد والمال في ما لاطائل من ورائه كما يقول البدو عامة.

ثم نأتي إلى صعوبات مغايرة لا علاقة لها بما سبق ذكره، بل لها صلة وثيقة بمؤسسات الدولة والجماعات المحلية، كتدبير تراب الجماعات، وتأهيل الطرق والمسالك القروية والريفية، وتمكين القرى والأرياف من التجهيزات الأساس والضرورية المعروفة، من ماء شروب، وكهرباء، ومن مستوصفات، ومكتبات، ودور للثقافة، ونواد لتجزية الوقت الثالث فيما ينفع، ومن مناخ اقتصادي واجتماعي قادر على احتضان المدرسة، والتأثير فيها إيجابيا، بما ييسر اندماجها في وسطها المباشر، ويؤهلها للعب دور أساس في إعادة تشكيل مجتمعها، من خلال إسهامها في تطوير المفاهيم السائدة لديه في أمور كثيرة ومختلفة لها صلة بالصحة، والبيئة، والحياة المنزلية، وبالوقاية من مختلف الآفات… وكذا بتنمية الوعي بشؤون مدنية وتدبيرية يمكن للمدرسة أن تشارك في جهود التعريف والتحسيس والتعبئة من أجل الاستفادة منها على النحو الأمثل.

إننا هنا، أمام وضع بالغ التعقيد والتشابك والتداخل، ينبغي أن يحول بيننا وبين ذلك التحليل السهل والجاهز، الذي يجعلنا نلقي باللائمة على الإدارة التعليمية دون غيرها، في كل ما له صلة بتدني أداء المدرسة القروية والريفية.

إن المدرسة في قرانا وأريافنا لا يسعها أن تكون سليمة ومعافاة في منطقة تتسم بالوعورة والامتناع بسبب تضاريسها الصعبة، أو مناخها القاسي أو المتوحش، والذي يتطلب بذل جهود جبارة من لدن مؤسسات وإدارات تضطلع بقطاعات النقل والتجهيز، والصحة، والوقاية المدنية، والأمن، وبتنمية مجالات السقي والرعي والتشجير، وميادين حماية البيئة وحيواناتها ووحوشها ووحيشها، وتوفير الحماية ضد الأخطار التي يمكن أن تشكلها هذه العناصر كلا أو بعضا على سلامة الأطفال، والمتمدرسين/ات منهم خاصة، وبذل جهود تكميلية من لدن الجماعات المحلية، التي عليها أن تنتبه إلى أنها المعني الأول في المنطقة التي تخضع لنفوذها الترابي عن أوضاع المدارس وتلامذتها، لا تنافسها في هذه المسؤولية الجسيمة سوى جمعيات الآباء وهيئات التربية والتكوين.

ليس من الجائز إذا أن نزرع مدرسة من المدارس في عمق البادية، أو في جرف أو منحدر أو سفح تل من التلال، ليتسنى لنا القول، إثر ذلك، إننا ننهج سياسة القرب، بتقريب الخدمات التربوية والتكوينية من المواطنين. إن هذا لا يجوز قطعا، للأسباب التي سبق ذكرها، والتي تجعل عملية بناء مدرسة من المدارس مرتبطة شديد الارتباط بموقع المنشأة؛ ومحيطها الطَّبَعِي والبيئي؛ والبنيات الأساس المتصلة بها، من طرق معبدة، ومسالك ميسرة، ومن أمن محفوظ، وحماية مؤمنة ضد جميع الأخطار الممكنة والمحتملة، ومن مياه عذبة، ومرافق صحية لائقة تتلاءم مع فكرة «نساء المستقبل ورجاله»، التي توحي بها هذه العملية في مجملها، ثم من أطر للتدريس مستقرة، وغير مغبونة في تعيينها بالمنطقة، أو شاعرة بكونها ضحية إقصاء تأديبي أو تعسفي أو نحوه.

إن المسؤولية إذا، لا تنعقد فوق رأس منظومة التعليم المدرسي، أوالسلطة التعليمية دون غيرها، بل تطوق كاهل كافة المؤسسات والفعاليات الرسمية والمدنية، دون إغفال الدور الكبير، الذي ينبغي أن تؤديه الجمعيات والأندية المعنية بالشأن المدرسي، بمختلف مشاربها ومجالات نشاطها، فضلا عن الدور الذي يبدو أنه آل إلى نسيان مبرح ومحزن منذ نحو ثلاثة عقود على الأقل، والذي تخلت عنه الأحزاب السياسية في غمرة انشغالها بلعب السياسة وأضوائها وألهياتها، بعد أن صارت السياسة وعلائقها بمثابة أهداف وغايات، بدلا من أن تظل – كما هي أصلا- مجرد وسيلة من وسائل تدبير الشأن العام، وفي طليعة مكونات هذا الشأن، بلا منازع، الشأن التربوي والتعليمي… لو كان ساستنا في معظمهم يتذكرون.

بعد هذه الإطلالة على واقع المدرسة في القرى والأرياف والمناطق النائية، يمكن أن نلتفت إلى الأسئلة التي انطلقنا منها منذ البداية.

إن أهم ما أفرزته صيغنا الإصلاحية، منذ بداية الفترة الخماسية المنتهية قبل أوانها (2012/2007)، تلك القناعة الراسخة، بأن نجاح أي مؤسسة تربوية في أداء رسالتها الحضارية خير الأداء، إنما يتطلب حدا معينا، ولا نقول حدا أدنى، من التمدن والتحضر. وبما أن البادية لا يمكن لها أن تتحول إلى حاضرة بين عشية وضحاها، فإن المسؤولية، المطوقة لكاهل كل من الدولة والمجتمع المدني، تقتضي الدفع باتجاه تمدين البوادي بالتدريج المريح، حتى لا يشكل ذلك عبءا ثقيلا ومعيقا للتنمية.

ونقول إن هذه القناعة من بين ما أفرزته السنوات الأربع الماضية، لأنها بالذات شكلت جانبا من العوامل التي أدت إلى الحراك الإصلاحي التعليمي الأخير مشخصا في المقاربات الجديدة التي أخذت بها المنظومة مؤخرا، سواء في ما يتعلق بمشروع المؤسسة، وكذا مشروع المدارس المندمجة، المشكلة من مجمعات متكاملة يمكن للمتمدرسين/ات أن يدخلوها بغرض الدراسة والسكن والتثقيف والترويح والترويض في آن واحد.

إن رياح التغيير لا بد ستصيب ظاهرة المركزة والتركيز بتياراتها الجارفة في غضون الفترات القريبة القادمة، أسوة بما نراه حولنا من التحولات على جميع الأصعدة عامة، وعلى مستوى التنظيم الإداري لتراب المملكة خاصة. ولن يكون قطاع التربية والتكوين في مبعدة عن هذه السنة الحتمية، أي سنة التغيير نحو اللامركزية واللاتمركز.

أما السؤال الثاني، المتعلق بمدى توفر قرانا على مدارس لائقة أو مناسبة فيقتضي أن نطرحه على نطاق أوسع وأعم، فنسأل إن كانت قرانا قد أخذت حقها من التنمية والتطوير، لكي تكون أهلا لاحتضان ذلك النوع المناسب من المؤسسات التعليمية. وكما يقول واقع حال بوادينا، فمعظمها لا يزال يعيش نفس ظروف سنوات الاستقلال الأولى نفسها، في ما صار بعض منها إلى أحوال أصعب وأسوأ، خصوصا في المناطق الجبلية الوعرة (أنفكو على سبيل المثال، حيث صرنا نسمع عن أطفال، أوتلاميذ، يموتون من جراء البرد القارس، أو يعجزون عن التوجه إلى مدارسهم للسبب نفسه، أو لظروف طبيعية وتضاريسية أخرى لا تطاق).

أما السؤال الأخير، والمتعلق بمدى تلبية مطلب تنمية مستوى العرض التربوي والتعليمي في البادية وتطويره، ففي وسعنا أن نسائل مشاريع البرنامج الاستعجالي 2012/2009، الذي نرى أنه أولى أهمية قصوى للمدارات القروية فيما تضمنته من موجبات النهوض بها قبل غيرها، من أجل تحقيق حد معقول، ومرة أخرى لا أقول حدا أدنى، من التوازن بين النطاقين الحضري والقروي لسببين اثنين جوهرين:

الأول: لأن المنظومة التعليمية بجميع مكوناتها وأطرافها وفرقائها صارت، كما سبق القول، موقنة من وجوب الارتفاع بمستوى الوسط القروي؛ لأن بقاءه على الحال نفسه لا يعوق التنمية فحسب، بل يؤدي بالتدريج إلى تقويض الجهود الإنمائية على صعيد الوطن برمته.

والسبب الأخير: لكون المشروع المغربي الحداثي، القائم على تنظيم جهوي موسع ومتقدم، لن يقبل بتاتا بقاء الفارق على ما هو عليه، بين الوسطين الحضري والقروي؛ لأن ذلك من شأنه أن يفشل المشروع بكليته، مع العلم أن الساكنة المغربية المعني الأولى والأخيرة بالمشروع المذكور، تتوزع بما يشبه التساوي على العالمين، بما يفيد بالبداهة باستحالة تحقيق نمو أحدهما دون الآخر، كما كان عليه الشأن في ظل التنظيم المركز والممركز.

إن الجهوية المتقدمة إذا، هي القاطع الحاسم بين ما كانت عليه البادية في فترات انعزالها وانزوائها، في ظل مركزية صارت الآن منتهية الصلاحية، وبين بادية مشرئبة، بكل كيانها نحو شكل جديد وحديث إلى تدبير يجعلها في صميم الجهد الإنمائي بقوة الأشياء.
من البََدَهِيّ، والحالة هذه، أن تسير المدرسة في الوسط القروي نحو المصير نفسه، المتميز بازدياد أهميتها في وسطها الأصغر، وتزايد إسهاماتها في إعادة تكييف مجتمعها الأكثر قربا والتصاقا، شريطة قيام شراكة حقيقية فاعلة ومثمرة بين جميع الأطراف والشركاء… وهنا نلاحظ أن الفرقاء الاجتماعيين، أو النقابات التعليمية، قد غيرت دفة نشاطها، لتخرج به من دائرة القضايا النقابية الصرف، المتمثلة في الدفاع عن مطالب الشغيلة التعليمية، إلى حيث خدمة المصلحة الكبرى للمنظومة التربوية من جميع مناحيها، مبينة بذلك عن حس وطني مرهف يتناغم والمرحلة الدقيقة التي تجتازها بلادنا.
المسؤولية في النهوض بالمدرسة القروية جماعية وواسعة الأمداء ومتعددة الأطراف والفاعلين… فهل ينضم جميع هؤلاء إلى المتن الإصلاحي الجديد حتى لا يلقى نفس مصير التجارب الإصلاحية السابقة، والتي يعود الجانب الأعظم من فشلها على بقاء جل تلك الأطراف في موقع المتفرج؟.. «ذاك هو السؤال».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *