العنف المدرسي ظاهرة أصبحت تعرقل العملية التعليمية ببلادنا ماهي أسبابها و ما مدى تطورها داخل المؤسسات التعليمية.

عيادة عباس

مع نهاية  أي سنة دراسية لابد من وضع تقييم شمولي سواء من ناحية النتائج المحصل عليها أوالظواهر المشينة التي تؤثر على المنظومة التعليمية ببلادنا نذكر منها العنف المدرسي .

يكاد لا يخلو أي مجتمع من ظاهرة العنف المدرسي، إذ أضحى ينخر الجسم التربوي مخلفا آثاره الوخيمة إن على مستوى الناشئة المتمدرسة أو على مستوى المسؤولين عنها، إداريين كانوا أو أساتذة أوآباء. وتتخذ الظاهرة تمظهرات عدة تبعا لنوعية الوسط السوسيوثقافي الذي تتواجد فيه .

إن من أهم معاني العنف المستخلصة من مختلف القواميس اللغوية نجد الشدة والقساوة، والتوبيخ والتقريع، وكل ما يخالف اللين والرفق والرحمة . وكلمة عنف مشتقة من الكلمة اللاتينية (فيس)، أي القوة، وتعني أيضا حمل القوة أو تعمد ممارستها تجاه شخص أو شيء ما. ويمكن تصنيف المعاني المرتبطة بالعنف فيما هو مادي: كالضرب والمشاجرة والتخريب داخل المدرسة، وما هو معنوي: كالسخرية والاستهزاء والشتم والعصيان، وإثارة الفوضى. وحري بالذكر أنه من الصعب تحديد موحد لمفهوم العنف اصطلاحا، إذ يختلف لدى علماء النفس والاجتماع عنه لدى علماء السياسة والقانون وعلم الإجرام .أما تعريف الكلمة في القانون المغربي، فيمكن استخلاصه من الفصول المتعلقة بالجنايات والجنح ضد الأشخاص . والمشرع المغربي لا يجرم إلا العنف المادي، أما التعنيف المعنوي الذي يمكن أن يحدث شروخا مستديمة بالعقل والنفسية، فلا عقاب عليه.

لقد راسلنا جمعية التضامن الجامعي المغربي الذي يعد من أهم المنظمات التي تدافع عن رجال التعليم بالمغرب حول تقيم الظاهرة وإعطاء بعض الإحصائيات ندرج ملخصا لما وافتنا به.

ورقة تعريفية عن التضامن الجامعي المغربي

التضامن الجامعي المغربي منظمة تطوعية مستقلة غايتها مؤازرة أعضاء الهيأة التعليمية في مواجهة أخطار المهنة وخاصة الحوادث المدرسية التي كانت تخضع لنظام مسؤولية المدرسين عن الخطأ الشخصي.

وتعتمد في نشاطها على مبدإ التطوع سواء في الإدارة أو التسيير أو الإشراف، من أجل تحقيق أربعة أهداف أساسية، وهي:

  • العمل على ترسيخ وتنمية قيم التضامن والتعاضد داخل أسرة التعليم بما يمكنها من الدفاع عن كرامتها وشرف المهنة.
  • مد المنخرطات والمنخرطين بكل الإرشادات اللازمة التي تساعدهم على القيام بمهامهم في إطار احترام مصالحهم وحقوقهم المهنية.
  • مساعدة الأعضاء المنخرطين ومؤازرتهم أمام الهيئات القضائية المختصة في حالة الاعتداء المادي عليهم أو الطعن أو المس بكرامتهم أثناء ممارستهم لمهامهم الوظيفية أو بسببها.
  • العمل على الرفع من المستوى المهني والثقافي والتربوي والحقوقي للمنخرطين للارتقاء بأدائهم التربوي والإداري.
  • حماية الموظف العمومي أثناء القيام بمهامه رغم أن القانون المغربي حرص على حماية الموظفين العموميين من العنف بمختلف أشكاله، كما نقرأ في الفقرة الأولى من الفصل 263 من القانون الجنائي.

العنف في الوسط المدرسي

تشهد المؤسسات التعليمية توترات متعددة في العلاقات التي تربط الفاعلين التربويين، نتيجة الخلخلة التي عرفتها منظومة القيم بفعل تأثيرات العولمة وما صاحبها من تحولات سوسيوثقافية، زعزعت بنية المجتمع المغربي، وأثرت على أفراده، ومنهم رواد المدارس، بفعل تطور تكنولوجيات الإعلام والتواصل، وبذلك أصبحت المدرسة المغربية ضحية سلوكات لا مدنية بعد أن كانت محتضنة لقيم التسامح والتضامن والاحترام. وقد اعترف الميثاق الوطني للتربية للتكوين بعجز منظومتنا التربوية على التصدي لهذه المظاهر بتأكيده على ” أن المدرسة المغربية لم تعد تضطلع اليوم بدورها الكامل في التربية، وفي نقل القيم المواطنة إلى التلاميذ؛ والدليل على ذلك مظاهر العنف وانعدام الاحترام الحاضر بشكل كبير في المدرسة المغربية، وبصفة خاصة بين التلاميذ والمدرسين”.

لقد أصبح العنف والنزاعات بالمؤسسات التعليمية ظاهرة سلبية تؤرق كل المتدخلين في الشأن التربوي، لذلك تعددت المقاربات المقترحة للتصدي لها، إذ نجد أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين حرص على مبدأ الحق والواجب، وحدد حقوقا وواجبات للأفراد والجماعات بالمؤسسة، ومنهم المربون والمدرسون، الذين لهم على المتعلمين وآبائهم وأوليائهم، وعلى المجتمع برمته، حق التكريم والتشريف لمهمتهم النبيلة، وحق العناية الجادة بظروف عملهم وبأحوالهم الاجتماعية؛ وعليهم الواجبات والمسؤوليات المرتبطة بمهمتهم.

أسباب العنف في الوسط المدرسي

خلال رصد التضامن الجامعي المغربي لظاهرة العنف في الوسط المدرسي بواسطة الملفات المعروضة عليه في الخمس سنوات الأخيرة يتبين أن أسباب العنف المدرسي والاعتداءات التي يتعرض لها أفراد الهيأة التعليمية يعود إلى ثلاثة عوامل:

مشاكل المجتمع:

  • انتشار البطالة والفقر والجهل.
  • ارتفاع ظاهرة العنف في المؤسسات التعليمية الموجودة في الأحياء الهامشية والمكتظة والمتدني مستوى عيش سكانها.
  • تغيير القيم التقليدية للأخلاق الفردية والجماعية.
  • عدم التسامح واحترام الغير.
  • انتشار المخدرات في وسط المراهقين والمراهقات.

مشاكل عائلية:

  • ضعف الروابط الأسرية.
  • تراخي مراقبة الآباء لأبنائهم وبناتهم ومتابعة سلوكاتهم.
  • مشكل الأبناء “المدللين”.

مشاكل مرتبطة بالمؤسسة التعليمية:

  • ضعف المصداقية في المدرسة وفي وظيفة التعليم.
  • سوء تصرف ونقص تكوين بعض أفراد الهيأة التعليمية.
  • العقاب البدني.
  • الغش في الامتحانات وهو ناتج عن خلل في النظام التربوي.
  • صعوبة التواصل بين المدرس والمتعلم وبين المدرس وآباء التلاميذ.
  • إرجاع فشل الطفل في الدراسة للمدرسين.
  • نقص حماية المؤسسات التعليمية أمنيا.

استمرار قيام العلاقة بين المربي والطفل في مجتمعنا في كثير من صورها على أساس السلطوية والإكراه وهي علاقة لا شك تمثل امتداد لعلاقات التحكم والعنف السائدة في الواقع المغربي، سواء على مستوى الأسرة أو الوسط المدرسي أو المجتمع.

إحصائيات حول العنف في الوسط المدرسي

لقد أكدت إحصائيات القضايا المعروضة على التضامن الجامعي المغربي تصاعد ظاهرة الإهانات والاعتداءات الجسدية والوشايات الكاذبة التي يتعرض لها أعضاء الهيأة التعليمية، من مدرسين ومعيدين وحراس عامين ونظار ومديرين …. الخ على امتداد خارطة الوطن خلال مزاولتهم لعملهم أو بسببه؛ ذلك أن طبيعة العملية التعليمية وفتح أبواب مؤسسات التعليم في وجه الآباء والأولياء لمعالجة قضايا التلاميذ، تجعل المدرسين والطاقم الإداري في الواجهة، إضافة إلى أن نظام الامتحانات وضع التلاميذ في مواجهة مباشرة مع الأساتذة في الإعدادي والثانوي، إما بسبب تصحيح الفروض أو عدم التسامح مع ظاهرة الغش في الامتحانات أو الصرامة في القيام بالواجب التربوي. القضائية وإجراءاتها.

إن هذه الإحصائيات تهم فقط نسبة 30 % من أعضاء الهيأة الذين هم منخرطون في التضامن الجامعي المغربي، فمجموع الأطر العاملة بقطاع التعليم المدرسي حسب إحصائيات 2016/2015 هو أستاذا وأستاذة.

وإذا كان عدد التلاميذ المسجلين بالمؤسسات التعليمية برسم نفس السنة الدراسية 2015-2016 بلغ 6882059 تلميذة وتلميذا، يكون المجتمع المدرسي يضم 7111726 مواطنا ومواطنة (متعلمون ومتعلمات + أطر الإدارة التربوية + المدرسون والمدرسات)، ومجتمع بهذا العدد وبتنوع مشاربه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وما يحمله من اختلالات مجتمعية في أبعادها القيمية والتربوية والمعرفية والثقافية، لا بد أن يحمل إلى وسطه بعض الظواهر التي يعرفها المجتمع العام ومن بينها العنف الذي يحتل مكانة أساسية في الحياة اليومية، فباعتبار أن المؤسسة التعليمية توجد في قلب المجتمع، فإنها لا تنجو أو تكون غير بعيدة عن العنف.

إن تصاعد حالات الاعتداء على الهيأة التعليمية خاصة في السنوات الأخيرة وبوثيرة متسارعة يرجع أساسا إلى تدهور المكانة الاجتماعية للمؤسسة التعليمية، وإلى الخلل العنيف الذي يكتنف منظومة القيم داخل المجتمع تحت تأثير تداعيات التحولات التي يعرفها المغرب، وغلبة قواعد السوق وفي مثل هذه الأوضاع الانتقالية وأمام تراجع القيم التقليدية ينتشر الفساد والانحراف في المجتمع ويصبح من الصعب على المرء أن يجمع بين ما يسعى إليه من مصالح وما يجب أن يتمسك به من مبادئ، ومن شأن هذا أن يزيد التوترات الاجتماعية وانعكاساتها على المؤسسات العامة وفي مقدمتها المؤسسة التعليمية.

يتصدر الأساتذة بمختلف الأسلاك و(أساتذة التعليم الابتدائي خصوصا) لائحة المتنازعين، ويليهم المديرون وموظفو الإدارة وعلى رأسهم أيضا مديرو الابتدائي ، ويمكن إرجاع ذلك إلى أن الأساتذة هم أكثر الفئات احتكاكا بالتلاميذ وهم المسؤولون عن مسارهم التعليمي مما يجعلهم في مواجهة معهم أو مع ذويهم.

تدخلات جمعية التضامن  الجامعي المغربي في إطار قضايا العنف في الوسط المدرسي، إن التضامن الجامعي المغربي يتوفر على شبكة من 117 محاميا موزعين على سائر أقاليم ومدن المغرب يقومون بمهام مؤازرة المنخرطات والمنخرطين والدفاع عن مصالحهم أمام القضاء وعلى جميع مستوياته.

وتجدر الإشارة أن التضامن الجامعي المغربي يقوم، خلال السنة الدراسية الحالية، بتعاون مع فدرالية المستقلين للتضامن الفرنسية FAS، باستطلاع أعضاء الهيأة التعليمية حول العنف في الوسط المدرسي بمختلف أشكاله وجوانبه بناء على دراسة ميدانية معززة بالوقائع وأرقام دقيقة وبقياس آراء توفر معطيات واقعية، من أجل سد الفراغ القائم في ميدان دراسة العنف في الوسط المدرسي، ولصياغة اقتراحات عملية نطرحها على كل المعنيين لمواجهته وخلق الأجواء الملائمة لسير العملية التعليمية – التعلمية في مؤسساتنا.

One thought on “العنف المدرسي ظاهرة أصبحت تعرقل العملية التعليمية ببلادنا ماهي أسبابها و ما مدى تطورها داخل المؤسسات التعليمية.”

  1. مقال مفيد قد نعتمده كمدخل للندوة التي نود تنظيمها بشراكة مع المديرية الاقلمية حول ظاهرة العنف بالمؤسسات التعليمية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *