من الولايات المتحدة الأمريكية:هل تبعث مؤسساتنا التعليمية من خلال هندستها وتنظيم مرافقها، برسائل إيجابية تشعر الفرد بقيمته وتضمن له الاستمتاع باللحظات التربوية؟

 

توصلت صدى التضامن من الأخ عزيز لحمر الإطار التربوي والإداري الذي يقضي فترة تدريبية بالولايات المتحدة الأمريكية، بمقال يناقش فيه الفضاء المدرسي ودوره الفعال في  تشكيل المنهاج الخفي، من خلال شكله وطريقة تنظيمه وتزيينه وتأثيثه.

تكمن أهمية المقال في كونه ينقل تجربة ملموسة من واقع تعليمي متطور، يستحق المدارسة والاطلاع، وتزداد قيمته المعرفية بحكم أن التجربة تنقل بأعين تربوية إدارية خبرت الواقع المغربي.

ومما يدعو إلى التأمل العميق، تساؤلُ صاحب المقال حول واقع الفضاء المدرسي المغربي في ضوء مشاريع الإصلاح: أتساءل، ولاشك أنكم من المتسائلين معي: هل تبعث مؤسساتنا التعليمية من خلال هندستها وجودة وتنظيم مرافقها، برسائل إيجابية تشعر الفرد بأهميته وقيمته، وتضمن له الاستمتاع باللحظات التربوية والبيداغوجية التي يقضيها داخل أسوارها، وتساعده على تحقيق الأهداف المنشودة وتؤهله في آخر المطاف لينقل أثر ما تعلمه إلى باقي مجالات الحياة؟

عن صدى التضامن رشيد شاكري

في الحاجة إلى تقييم الفضاءات المدرسية:

في كل مرة أزور مؤسسة تعليمية ببلاد العم سام، يلفت انتباهي خاصية ما تستفز تفكيري، تدفعني إلى ركوب أمواج المقارنة  في محاولة للإجابة على السؤال التالي: هل ما نقوم به من إصلاحات يعكس، فعلا، وعيَنا بمتطلبات الزمن الراهن  والحاجيات الفعلية للمنظومة؟

عادة ما لاتلتفت مشاريع الاصلاح بشكل كاف إلى أهمية البيئة التي تمارس فيها العملية التعليمية التعلمية، وتحديدا هندسة وتنظيم الفضاء المدرسي  وعلاقته بجودة التعلمات، إذ تلعب البنية المادية للمؤسسة وهندستها  دورا محوريا في العملية برمتها، وتؤثر على طبيعة العلاقات بين الأفراد داخل المؤسسة، وتساهم في تعزيز التعلمات في بعدها المعرفي والعاطفي والاجتماعي. يعكس فضاء المؤسسة، إلى حد كبير، القيم والمواقف والثقافة السائدة داخلها وانتظارات المجتمع منها، ونمط القيادة السائد بها؛ فقد تكون الخطوات الأولى داخلها كافية لرسم صورة أولية عنها سلبا أو إيجابا.

يعد تتظيم الفصل الدراسي والمرافق الدراسية بشكل عام مكونين أساسين لما يسمى بالمنهاج الخفي إلى جانب الثقافة السائدة وخلفيات المدرسين ومضامين الكتاب المدرسي، وهو – أي المنهاج الخفي-  تلك المعارف والقيم والأفكار والممارسات التي يتعلمها التلاميذ خارج إطار المنهج الرسمي، والتوجيهات غير المعلنة التي توحي للمتعلمين والمتعلمات ببعض الممارسات السلوكية دون توجيه مباشر من طرف  أي كان، بل هي رسائل يلتقطها المتعلمون من غير وعي ويستبطنونها لتصبح جزءا من ثقافتهم وممارساتهم. وهو ما يجعل الفضاء المدرسي يلعب دورا مهما في تشكل هذا المنهاج الخفي، من خلال شكله وطريقة تنظيمه وتزيينه وتأثيثه باعتبارها علامات ترسل رسائل صامتة، سيتفاعل معها التلاميذ والأساتذة، ويترتب عنها ردود أفعال وسلوكات قد تكون سلبية أو ايجابية بمقدار ما توفره المؤسسة من أنظمة وخدمات ومرافق تقوي رابطة الانتماء لديه وتحسسه بأهميته كعنصر فاعل ومؤثر.

إن  تنظيم الفضاء المدرسي ليس مسألة تقنية محضة أقل أثرا في عطاء المتعلم(ة)  بل أكبر من ذلك بكثير، بل هو مصدر إثارة لخيال المتعلمين والمتعلمات وتنمية لمهارة حب الاستطلاع، وطمأنينة للنفس وعاملا مساعدا على تهذيب الذوق وترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية والمساواة بين الجنسين والتعاون والشعور بالمسؤولية اتجاه الجماعة.

لانجادل البتة في أهمية طرائق وأساليب التدريس وتكوين المدرسين وإعداد  المنهاج وأساليب التقويم،…، فهي على قدر كبير من الاهمية، لكن أغلبها، إن لم نقل جميعها، يتم داخل فضاء معين بمواصفات ومعالم محددة، فكلما استجاب هذا الفضاء لجاجات التلميذ(ة) والأستاذ(ة)، كلما وجد المنهاج الرسمي مجالا خصبا للتنزيل  وانعكس ايجابا على سيروة التعلمات ونتائجها. لقد أكد المفكر التربوي جون ديوي وآخرون على أنسنة الفضاءات المدرسية بما يتناسب وجاجات الأطفال وجعلها تنبض بالحياة والمتعة. وهي الخاصية المميزة للمدراس في منظومات التربية المتقدمة، على الأقل تلك التي زرتها سواء باليابان أو أمريكا.

لعل أبرز خاصية هي تنوع وتعدد المرافق بما توفره من تعدد فرص وسيناريوهات التعلم وبناء العلاقات بين مختلف مكونات الجسم التربوي. أغلب مدارسهم تراعي هذا البعد، لن تجد فيها تلاميذا يقومون بالشيء نفسه في  الزمان والمكان نفسه، لن تجدهم جالسين دائما على مقاعد مولين وجهتهم  نحو الأستاذ(ة)، بل منخرطين في أنشطة متنوعة داخل الفصل وخارجه في وضعيات مختلفة، اعتمادا على طرائق تدريس وتنشيط متنوعة: ورشات، عمل بالمجموعات، أعمال ومشاريع  فردية وجماعية ، رحلات وزيارات ميدانية، التعلم عبر الممارسة، أنشطة موازية في كل المجالات،….

أول ما يصادفك بالمؤسسة التعليمية قاعة استقبال ومكتب سكرتيرة على غرار نظام الفنادق، المرور عبر هذا المكتب ضرروي قبل الولوج إلى الحجرات الدراسية والمرافق الأخرى. المؤسسة عبارة عن أجنجة متقابلة، يحتضن كل جناح مستوى دراسي معين، ومرافق صحية، وقاعة للموسيقى وقاعة مغطاة تمارس فيها مختلف أنواع الرياضات، مكتبة ومستوصف وقاعة متعددة الوسائط وورشات للاشغال التطبيقية ، ومطعم يسهر على تقديم وجبات صحية للتلاميذ، وحديقة المؤسسة، وفضاءات خاصة بالأساتذة والتكوين المستمر، وفضاءات أخرى كالمسرح والمتحف.

وهذه المرافق كلها مجتمعة داخل مركب تربوي  بهوية بصرية واضحة، ومعالم هندسية وألوان مبتهجة، مهيأة من خلال التنظيم العام للمبنى وخصائصه المادية الداخلية والخارجية لتكون مجالا لممارسة التعلمات واكتساب الخبرات الحياتية والاجتماعية المبنية على قيم التعدد، واحترام الخصوصيات والمبادرات الفردية والجماعية، والإحساس بالمكانة والتقدير داخل المجتمع.

إن تعدد مثل هذه الفضاءات  وتنوعها  يمكن المتعلمين من مساحات زمانية ومكانية لتجديد النشاط اليومي والتفاعل مع أقرانهم الذين يشاركونهم نفس الاهتمامات، واكتساب خبرات ومعارف خارج المنهاج الدراسي، ويوفر للمدرسين والمدرسات مجالا للتفنن في تدبير وتيسير حصصهم الدراسية بكل ثقة وحيوية، فالفضاء ومواصفاته بهذا المعنى  يلعب دورا أساسيا في اختيار طرائق التدريس المناسبة بحسب خصوصيات  الفئات والمستويات الدراسية.

أتساءل مجددا  بعد هذه الملاحظات السريعة، ولاشك أنكم من المتسائلين معي: هل تبعث مؤسساتنا التعليمية من خلال هندستها وجودة وتنظيم مرافقها، برسائل ايجابية تشعر الفرد بأهميته وقيمته، وتضمن له الاستمتاع باللحظات التربوية والبيداغوجية التي يقضيها داخل أسوارها، وتساعده على تحقيق الأهداف المنشودة وتؤهله في آخر المطاف لينقل أثر ما تعلمه إلى باقي مجالات الحياة؟

إن  الحاجة ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تقيييم هندسة البناءات المدرسية ومدى استجابتها لحاجات ممارسة الفعل التربوي ومتطلباته في ظروف مناسبة باعثة على الحيوية والإبداع والثقة في النفس والآخر، كما أن الحاجة ملحة كذلك إلى تدعيم جهود القطاع الوصي وانخراط الشركاء المؤسسيين والاقتصاديين لكسب هذا الرهان الكبير، رهان مدرسة مغربية متميزة بفضاءاتها ومرافقها الجذابة، والتشاور بين كافة أطراف المنظومة حول معالم ومواصفات النموذج الأفضل الذي نريده لمؤسساتنا التعليمية، واستحضار نتائج ذلك  فيما سيستقبل من إحداثات وتوسيعات.

عزيز لحمر

إطار تربوي وإداري

الولايات المتحدة الأمريكية

One thought on “من الولايات المتحدة الأمريكية:هل تبعث مؤسساتنا التعليمية من خلال هندستها وتنظيم مرافقها، برسائل إيجابية تشعر الفرد بقيمته وتضمن له الاستمتاع باللحظات التربوية؟”

  1. أوافقك الرأي أخي العزيز على تحليلك الموضوعي والصريح على آلوضع المنحط الذي وصل إليه واقع الفضاء المدرسي المغربي في ضوء مشاريع الإصلاح الغير الفعالة في تقييم التلميذ أوالفرد ومساعدته في تحقيق أهدافه ومن خلال جعل الفضاء المدرسي يلعب دورا مهما في ترسيخ مفهوم مضامين الكتاب المدرسي أوالمنهاج الخفي كما تفضلتم وأشرتم في المقال،أخي الكريم في ظل إسناد تسيير المنظومة التعليمية والتربوية لأناسٍ يحاربون كل بارقة أمل تكرس مغزى الإصلاح(تنظيم الفضاء المدرسي،تعدد المرافق،تنويع أساليب التدريس وتكوين المدرسين وإعداد المنهاج وأساليب التقويم…)أعتقد أنه يلزمنا مئات السنين لتحسين جودة التعليم العمومي
    لجعل المدرسة العمومية مدرسة ناجحة نحن بحاجة ماسة إلى عزيمة وإرادة سياسية واضحة المعالم وإنخراط شركاء لهم غيرة على رفع رهان تنمية المدرسة المغربية وجعلها متميزة بفضاءاتها ومرافقها الجذابة .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *