هيئة التفتيش: بين الإقرار بالأهمية والتهميش

عبد الرحيم الضاقية(*)

أدوار هيأة التفتيش وإكراهات العمل الميداني

هيئة التفتيش هي تربوية متعددة من حيث المكونات والمهام والمواقع والجانبيات المهنية… لذا تستوجب الموضوعية التعامل مع الهيئة كنسق متعدد الوجوه. وبالرجوع الى تحليل النظم نجد أن هيئة التفتيش بكل فئاتها جزء من منظومة حاضنة، هذه المنظومة تعيش أزمة بنيوية منذ أزيد من عقدين باعتراف وطني ودولي. ومن الطبيعي والعضوي أن تعيش الهيئة وضعيات صعبة ومأزومة تؤثر في مردوديتها الداخلية والخارجية. وإذا اقتصرنا على أزمة هيئة التفتيش يمكن تحليلها جينيالوجيا من خلال إعادة قراءة نصوص الإصلاح كمنطلقات للاجرأة :فالميثاق يخصص للهيئة رغم أهميتها نصف بند ( الدعامة 13 بند 135) ليحشرها ضمن هيئات أخرى مختلفة عنها بنيويا. وفي الكتاب الأبيض الذي يعد وثيقة مراجعة البرامج والمناهج بامتياز لانجد به إشارة إلى الجهاز أو الجهة الموكول لها تفعيل مقتضياته، والجميع يعلم أن البرامج والمناهج هي الخبز اليومي للمفتش/ة. دليل الحياة المدرسية  بمختلف طبعاته يخصص للهيئة أربع سطور يتيمة. أما البرنامج ألاستعجالي فإن مشروعه على مستوى التفتيش لم يطبق باعتبار عدم تفعيل دورات التكوين والتأهيل ماعدا التكوين في إطار بيداغوجيا الإدماج. هذا على مستوى الكلمات أما على مستوى الأشياء فإن المتتبع يشهد حالة فصام مابين الخطاب والممارسة : فعلى المنابر (( تعد هيئة التفتيش قطب الرحى في الإصلاح )) كما يتم الحديث عن ((ألأدوار الطلائعية والإستراتيجية )) لكن الممارسات تؤكد يوميا   تهميش دور المفتش/ة والإجهاز على مواقعه ومهامه. فإغلاق المركز لمدة عقد من الزمن مثلا يمكن قراءته البيولوجية بعدم تجديد الدماء في جسم نشيط ، مما يحكم عليه بالانقراض.هذا المعطى زاد من تشرذم خريطة التفتيش في الوقت الذي عرفت فيه المنظومة توسعا كميا كبيرا. زيادة على هذا المعطى الحيوي تم تجميد برامج التكوين المستمر الكفيلة بتجديد الأدوار والمعارف والمهارات عند جهاز مفروض فيه أن يلعب دور الريادة التربوية والديداكتيكية . زاد من الأمر إثقال كاهل الهيئة بمهام متعددة، إضافة إلى استنزاف مكونات الهيئة من خلال إسناد مناصب المسؤولية وطنيا وجهويا واقليميا وعدم تعويض المغادرين لمناطقهم التربوية مما قلص من الأنشطة الدورية وبرامج القرب التربوي وارتفاع معدلات التأطير خاصة في بعض المناطق والتخصصات(1/003). استفحلت هذه الظواهر مع المغادرة الطوعية التي استفاد منها ما يقارب 900 مفتش/ة من مختلف الفئات بدون أن يعوضوا. أخيرا تم توقيع نهاية الهيئة بقطع ٍرأسها المدبر بإنهاء مهام المنسقيات المركزية التخصصية التي كانت بمثابة قيادة تربوية متعددة الاختصاصات والمهام. يبدو لي أن مختلف هذه المظاهر سوف تكون كافية لتعطي مؤشرات للرؤية المتحكمة في شكل وأبعاد القرار التربوي وصناعته. بالنسبة للمسؤولية لابد كذلك من الانحياز للموضوعية باعتبار الذاتي والموضوعي في الأمر : فالهيئة التي عانت وتعاني من كل ما سبق ذكره لابد وأن يتأثر أداؤها من حيث الكم والكيف. صحيح أن المفتش/ة قد بدا أنه ترك الساحة التربوية فارغة بحكم ارتفاع نسبة التأطير واتساع المناطق التربوية وإغراق الهيئة في مهام جانبية تكون في الغالب مستعجلة (65 مهمة). هذا الأمر قلص من إشعاع الهيئة على مستوى التواجد المكثف في  المؤسسات التعليمة، مما خلف لدى الرأي العام شعورا بغياب الهيئة عن القيام بمهامها. إضافة إلى تعميم سلوكيات البعض على مجموع الهيئة بحكم المتابعة الصحفية التي تركز على بعض هذه الانحرافات المهنية، الموجودة في كل القطاعات لكن عندما يتعلق الأمر بالمفتش/ة فالقضية تتخذ أبعاد كبرى بحكم وضعه الاعتباري في المنظومة.أما الجانب الموضوعي فبحكم تشبث الوزارة بعدم تحيين المذكرات المنظمة لعمل الهيئة ( 86/1986 – 80/1989 ) والتي تجعل المفتش/ة موظفا يمارس مهامه تحت سلطة المدير/ة الاقليمي أو مدير/ة الأكاديمية،إضافة إلى غموض آليات الاشتغال  والمراقبة . كما  أن عددا من المديريات المحدثة لا وجود فيها لتخصصات بعينها منذ عدة سنوات وتلجأ الأكاديميات إلى آلية التكليف بمهمة والتي تتخذ شكل حملات تضرب في العمق مبادئ التأطير والمراقبة التربوية كماهو متعارف عليها. فمثلا حملات إنجاز الاختبارات العملية للكفاءة تتحول إلى زيارة من ساعتين على الأكثر. بدل أن يتم تتبع المرشح/ة سنة أوسنتين كاملتين يستفيد خلالها من برنامج زيارات ودروس تطبيقية وندوات تربوية من أجل تعديل ممارساته التربوية بل ويحضى بتتبع من طرف المرشدين/ات التربويين على مستوى الوثائق والتقويم والانجازات، وتأتي محطة الاختبار كتتويج لهذا المسار التكويني المصاحباتي. هذا السيناريو المأزوم وغيره أفرغ المهمة من عمقها الذي يراهن على التتبع الميداني والقراءة المتأنية للواقع التربوي والتفكير في آليات تعديله. نفس آفة التكليف بمهمة ابتليت بها باقي هيئات التفتيش ( تخطيط – توجيه – مصالح مادية ) مما أثر على المردودية. وقد تفتقت قريحة المدبرين التربويين في الآونة الأخيرة بعد أزمة الأساتذة/ة المتدربين على ضخ أعداد من الأساتذة/ة لم يتلقوا التكوين الأساس الكافي بل تمت المراهنة على جهاز التفتيش الذي يعاني من نقص عددي حاد من أجل التتبع والتكوين الميداني لما يربوا على 10 ألف أستاذ/ة. نفس المنحى سارت عليه الوزارة عندما تم تعيين الأساتذة/ات المتعاقدين الذين  خضعوا لثلاث أيام إخبارية قبل الزج بهم/ن في أتون الأقسام الدراسية، ويجد المفتش/ة أمامه موظفين/ات لاحول لهم على كل المستويات وقد اوكل إليه تنظيميا وأخلاقيا عمليات المواكبة والتتبع مما خلق وضعا مأساويا تؤدي المنظومة والأجيال والوطن فاتورته الباهضة.

http://sada.sum.masada.sum.ma

هيئة التفتيش بين التمثيلية والمطلبية.

أولا لابد من الإشارة الى أن هيئة التفتيش هي الهيئة الغير مطلبية بامتياز ويمكن هنا العودة الى البيانات والبلاغات التي تصدرها هيئاتها الممثلة قبل وبعد ظهور النقابة، فهم مصير المنظومة التربوية ومشاكل أداء المهمة هي الطاغية. وبهذه المناسبة لابد من رسم خلفية زمنية للهيئات الممثلة للمفتشين التي بدأت بتأسيس جمعية مفتشي التعليم الثانوي في 1984 ثم جمعية خريجي مركز تكوين المفتشين سنة 1997 والتي تضم مفتشي التعليم الابتدائي. وقد تميزت جمعية الثانوي مثلا بالمراهنة على الإشعاع التربوي والثقافي للهيئة. وعل مستوى التواصل عرفت ” المجلة التربوية ” أوج عطائها في مرحلة أجرأة الإصلاح. وبقراءة متأنية لأدبيات الجمعية نجد أنها كانت تمشي على رجلين : الثقافي -الإشعاعي والمطلبي –المهني نفس الأمر بالنسبة لجمعية الابتدائي. لكن عند دعوة جمعية الثانوي إلى وقفة احتجاجية أمام الوزارة فتم منعها بقرار من الوزير لأنها ليست نقابة. هذا الحادث أنضج الالتفاف حول النقابة التي دخلت   في برنامج من الوقفات الجهوية والوطنية مما أسفر عن عدة مكاسب لا يمكن إنكارها. زاد من ذلك وحدة الإطار الذي ذوب الخلافات بين الابتدائي والثانوي والتخطيط والتوجيه. لكن لازال الملف المطلبي حافل بالمطالب من قبيل تجهيز المفتشيات وأدوات العمل وشروطه ( تعويضات التنقل والإقامة…). فالقليل يعلم مثلا أن المفتش/ة هو الموظف الوحيد الذي لا يتوفر على مكتب في الإدارة التي يعين بها. فما عدا أجهزة الحاسوب والطابعات التي وزعت بمناسبة البرنامج ألاستعجالي ( وليست معممة ) تبقى محفظته هي مكتبه المتنقل. إذن على مستوى النزعة االمطلبية فإن البيانات تشهد على عكس ذلك. أما بالنسبة لقوة أو ضعف النقابة فإن صناديق الاقتراع والتمثيلية هي الفيصل في الأمر.

ttp://sada.sum.masada.sum.ma

مستقبل الهيئة وكيف يمكن تفعيل أدوار التأطير و الإشراف التربوي في مستقبل المنظومة.

هذا التساؤل من ألأجدر طرحه على مدبري المنظومة، أما الهيئة فموجودة على الساحة التربوية بموجب نصوص قانونية وتنظيمية. في إطار التجربة المقارنة نجد أن بعض المنظومات التربوية تتبنى التفتيش كآلية للمراقبة التربوية مثل النموذج الفرنسي المتبنى في المغرب والعديد من البلدان، له مزاياه ومواطن قصوره. وهناك منظومات أخرى، أغلبها أنكلوسكسونية، تستغني عن هذا الجهاز، لكن تتبنى نظام من التكوين والمراقبة يتأسس على إعادة التأهيل الدورية للمدرسين/ات والإداريين/ات: حيث أن هناك شبه رخصة لممارسة المهام تمنح للمدرس/ة بعد التكوين وتنتهي صلاحيتها بعد 4 أو5  سنوات من الممارسة، وبعد ذلك يتوجب على المهني العودة إلى مركز للتكوين لإعادة التصديق على رخصته أو تغيير المسار المهني إن رغب في ذلك. وإلا فلن يسمح له بالعودة إلى التدريس . إذن فخيار التفتيش هو ألأقل كلفة وهو الذي تتبناه المنظومة المغربية حيث تنجز العمليات المرتبطة بالتكوين وإعادة التكوين أثناء ممارسة المهمة أي بأقل كلفة مالية. وبناء عليه فالأفق لا يشيء  بالتخلي عن هذا الجهاز لأنه أقل كلفة عكس ما يدعي المسؤولون. وبالنظر الى استشارات المجلس الأعلى الحالية حول المنظومة يبرز أن موضوعة الحكامة بكل تجلياتها هي القاسم المشترك ضمن المقترحات. وبالنظر إلى دراسات اقتصاد التربية يعد جهاز التفتيش جهازا للافتحاص التربوي على أصعدة المناهج والبرامج والتخطيط والتوجيه والمالية يمكنه القيام بالتقويم والاقتراح والتفعيل في الميدان. وقد كان الوزير الحالي في الولاية السابقة قد اقترح آلية” التفتيش بالفريق ” ويمكن تطعيم هذا المقترح بالعمل على التفتيش ألنسقي أي افتحاص مؤسسة تعليمية بكل مكوناتها ( إدارة – برامج – توقيت – تدبير مالي وبشري – علاقة مع المحيط…) واقتراح برامج للتدخل تنفذها النيابات والأكاديميات. فبدل إنتاج تقارير متناثرة يتم اقتراح برنامج عمل قابل للتنفيذ. هذه الرؤيا وغيرها من الاقتراحات لا يمكن تنفيذها ومركز تكوين المفتشين لازال مغلقا والوزير السابق أكد أن المنظومة في حاجة ملحة الى 4000 مفتش/ة من أجل تنفيذ البرامج المسطرة. كما أنه لابد من ولوج التفتيش التربوي عالم التكنولوجيا الرقمية عبر المراقبة الغير متمركزة من خلال جذاذات وتوازيع واستعمالات زمن إلكترونية ودفتر نصوص إلكتروني يمكن مراقبتها بعديا وإرسال واستقبال التقارير إلى المعنيين في وقت حقيقي دون انتظار 4 أشهر  أو أكثر للتوصل بالتقرير لتعديل الطرق والمنهجيات. وفي المقابل يمكن تقويم عمل المفتش/ة آنيا وليس بناء على تمثلاث وأحاديث جانبية في مكاتب مغلقة عن مفتش/ة أنجز كذا تقارير…والمفروض فيه أن ينجز كذا…

 

(*)عبد الرحيم الضاقية : مفتش التعليم الثانوي، باحث في مجال التربية والتكوين له عدة مؤلفات منها:

الجودة في التعليم والتكوين

 الحياة المدرسية : من تدبير الزمن الى التربية على المشروع

 أدواة عمل المدرس(ة)

 المدرسة المغربية وسؤال التواصل

 إضافة الى مقالات ومساهمات في الصحافة الورقية والإلكترونية والمجلات المتخصصة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *