الموسم الدراسي الجديد … الاختيارات والتطلعات

رشيد شاكري

مفتش وباحث تربوي

 

في مستهل كل موسم دراسي، نتناسل الأسئلة من كل المتدخلين في الشأن التربوي ببلادنا والمتتبعين له على حد سواء، في سعي  حديث لضبط ملامح التجديد فيه، وكذا مؤشرات التطوير في بنيتيه البيداغوجية والتدبيرية ولذلك سيكون لنا حق المساهمة في هذا النقاش الدائر. وقراءة الاختيارات التي طبعت هذا الموسم باعتباره أول موسم دراسي لوزير التربية الوطنية الحالي، ولكون هذا الأخير جعله تحديا للقطع مع المواسم الدراسية الماضية.

من سابقات هذا القطاع، إسناد تدبيره لوزير تحمل حقيبة وزارة الداخلية، فتباينت زوايا النظر من متشائم لما تشكله، الداخلية، في الفكر الجمعي المغربي من تسلط وتحكم مبنيان على القوة والإكراه، إلى متفائل بالنظر إلى الكاريزمية التي يتمتع بها الوزير الحالي، باعتباره مهندسا نجح في تدبير عدة قطاعات، وبعيدا عن هذه التقييمات، نقر أن القطاع في حاجة إلى السلطة التي افتقدها منذ عقود، سلطة تتيح لكل المديرين اتخاذ القرارات المناسبة وفي وقت الملائم، دون انتظار بيروقراطية المساطر التي تفقد المسؤول مسؤوليته (الأستاذ في قسمه، والمدير في مؤسسته، والمدير الإقليمي في مديريته، ومدير الأكاديمية في أكاديميته…)، نريدها سلطة مؤسساتية لتفعيل القوانين وإنجاح التدابير، وليس تسلطا ذاتيا مبني على التهديد والوعيد، يدفع بالأطر الكفاة في هذه البلاد إلى العزوف عن تحمل المسؤوليات، أو الامتناع عن المبادرة والإبداع.

من سابقات هذا القطاع أيضا استفادة أكثر من ثلاثة وعشرين ألف موظف من الحركة الانتقالية، وهي خطوة جد إيجابية تحسب للوزير الحالي وطاقمه، إلا أن القرارات الاستراتيجية تحتاج دائما إلى قراءة الانعكاسات الميدانية عند تنزيلها، وهو ما افتقدته هذه العملية في بعض تفاصيلها كعدم الانضباط للمذكرة المؤطرة للحركات الانتقالية، مما ينزع عن القوانين هيبتها، لأنه لا خير في قوانين تسن ولا تطبق، ومذا عدم الموازنة بين عدد المنتقلين للمؤسسات التعليمية وبنيتها الاستيعابية، وهو ما نتج عنه ظاهرة جديدة في التعليم الابتدائي، على الأقل، بتدريس ثلاثة أساتذة في قسم واحد.

من الأمور اللافتة للانتباه هذا الموسم، هو تهيئة المؤسسات التعليمية وصياغتها بغرض تأهيلها لاستقبال المتعلمين والمتعلمات في ظروف جيدة، الأمر الذي تطلب تعبئة فاعلين من مستويات مختلفة، ودفع برؤساء المؤسسات التعليمية والمسؤولين الإقليميين والجهويين إلى تقليص عطلتهم الصيفية لتتبع هذه الأوراش مما يستحقون عليه كل الشكر والتنويه، خاصة وأن هذه المبادرة تسعى إلى إعادة الاعتبار للفضاء المدرسي، وقد تكون حافزا لمناقشة ضوابط هندسة مرافق المؤسسة التعليمية الحديثة، وفي هذا المقام يجب التأكيد على أن صباغة الأسوار دون الفصول الدراسية لا تعني التأهيل في شيء، وأن تأهيل المدرسة دون تحرير محيطها ممن استولوا عليه، دون وجه حق من الباعة المتجولين وأصحاب المقاهي، وغيرهم، يفقدها تلك الجاذبية المرجوة، ويجعلها رهينة للمشهد الفوضوي المليء بالملوثات البصرية والضوضائية التي تخنقها من كل جانب.

إن معاينة بعض المؤسسات التعليمية وهي معللية بألوان مختلفة، وأحيانا، تكون متنافرة، تثير فينا طرح إشكالية البعد التربوي في هذه العملية، وبمعنى أوضح ما المعايير البيداغوجية التي تحكمت في اختيار ألوان جدران الفصول الدراسية، وإذا كان هذا الموضوع يحتاج لوحده مقالة منفردة، فإننا نؤكد في هذه العجالة على أن الأبحاث الحديثة توصلت إلى أن الاستخدام الصحيح للألوان، يمكن أن يزيد من التركيز والنشاط والقدرة على التعلم والفهم والتذكر بنحو 55 إلى 78 من المائة. وقد ميزت العديد من الدراسات تأثيرات ألوان جدران الحجرات الدراسية على التلاميذ، فعلى سبيل المثال، يقول د. الفريد بانكوم:”إن اللون البرتقالي يحفز النشاط العقلي، ويدخل شعور الحماسة في تنوع الأفكار بين التلاميذ، ومن تم الوصول إلى الإبداع، وهو معالج جند للإكتئاب، ويعطي إحساسا برضا النفس، وزيادة الثقة، كما أن للون الوردي، تأثيرا ….. على الجسم، ويعمل على ارتخاء العضلات، وأنه مهدئ جيد للأطفال العدوانيين، الذين يميلون للعنف مع أقرائهم. وعلى عكس ذلك، فاللون الأحمر، غير مناسب على الإطلاق لصباغة الحجرات الدراسية، لكونه يدفع إلى العدوانية والغطرسة.

ورغم كل ما سردناه آنفا بغاية الإحاطة بأهم مستجدات الموسم الدراسي الحالي، يظل الإصلاح البيداغوجي ومشاريعه على رأس اهتمامات الجميع و تطلعاته، وفي هذا الإطار سنشهد هذه السنة تعميما لعدة مشاريع تربوية، بعد إثبات نجاعتها في المراحل التجريبية، وعلى رأسها مشروع “القراءة من أجل النجاح” الذي ساهمت في بلورته خبرات وطنية ودولية استمدت تصوراته العلمية والديدكتيكية من آخر مستجدات العلوم المعرفية، وكيفت هندسته البيداغوجية وفق الخصوصية المغربية، كما ستعرف هذه السنة إدراج اللغة الفرنسية في المستوى الأول ابتدائي، وتنزيل مشروع « Agir autrement pour améliorer  l’enseignement/apprentissage du français »، بالخامس والسادس ابتدائي وبالأولى والثانية والثالثة ثانوي إعدادي وبالجدع المشترك ثانوي تأهيلي، وبحكم متابعتنا لهذه المشاريع عن كثب، نسجل باحتراز المجهودات الاستثنائية التي بدلها أطر مديرية المناهج ومفتشين تربويين للأسلاك الثلاثة وأساتذة باحثين من مختلف المشارب، من أجل توفير العدد البيداغوجية قبل الدخول المدرسي الحالي، إلا أن الدينامية التي تعرفها هذه المشاريع البيداغوجية تتطلب بيئة مدعمة، يتجسد فيها الانخراط الجماعي والإرادي لكل المتدخلين مستوياته التأطيرية والتمهيدية والتقويمية، وخلق فضاءات للنقاش العلمي البعيد عن الذاتية والانطباعات الشخصية، كما تحيلنا هذه الدينامية على سؤال أكبر لم يحسم بعد، من يقود من في قطاع التربية الوطنية، الهاجس التدبيري الإداري أم الهاجس التربوي البيداغوجي.

جريدة المساء

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *